السعيد شنوقة
377
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
« وتدبر الآيات : التفكير فيها والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة لأن من اقتنع بظاهر المتلوّ لم يحل منه بكثير طائل وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها ومهرة نثور لا يستولدها » « 1 » . ويجد في قوله عز وجل : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 38 ] هو للإيذان بأنه لا يشترط في الإيمان بالله وتوحيده بعثة الرسل وإنزال الكتب وبأن الإيمان بالله وتوحيده واجب بدون ذلك لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم الأدلة ومكّنهم من النظر والاستدلال « 2 » . والآية : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] تقضي عند المعتزلة استحالة رؤية الله تعالى بالأبصار ، وهو ما رآه الزمخشري في تأويله : بأن في الكلام دليلا على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّ قول قومه في ذلك ، وعرّفهم بأن رؤية الله عز وجل غير جائزة لأنه محال أن يكون في جهة ، ومن جوّز ذلك فقد جعله من جملة الأجسام والأعراض . بيد أنهم رادّوه بعد بيان الحجة وإقامة البرهان عليهم فازدادوا كفرا ، وكانوا في كفرهم كعبدة العجل ، فسلّط الله تعالى عليهم الصّاعقة كما سلّط على أولئك القتل تسوية بين الكافرين « 3 » . ولا شك في أن مسألة رؤية الله سبحانه من أصعب مسائل أصول الدين . وقد اختلف في جواز رؤيته تعالى ؛ فبينما أنكرها القدرية والمعتزلة « 4 » والنجارية « 5 » والجهمية ومن شاركهم من الخوارج « 6 » وبعض المرجئة « 7 » ، رأى أهل السنة جوازها
--> ( 1 ) م ن ، ج 3 ، ص 373 - 372 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 275 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 282 . ( 4 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص ، 289 وجولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص ، 124 وكامل محمد محمد عويضة ، الزمخشري ، المفسر البليغ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1994 ، ص 176 . ( 5 ) أتباع الحسين بن محمد النجار . والجهمية أتباع جهم بن صفوان : انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 207 - ، 211 وابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 2 - 7 وما بعدها . والإمام الجويني ، كتاب الإرشاد ، ص 78 - 77 - ، 75 والشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 120 - 100 - 57 . ( 6 ) انظر عبد القاهر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 327 . ( 7 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 233 .